محمد طاهر الكردي

49

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

صارت الأساطين كلها على نسبة واحدة ، وهي أن كل ثلاث أساطين من الرخام الأبيض يكون رابعتها دعامة واحدة من الحجر الأصفر الشميسي ، وذلك في غالب الأروقة من الجوانب الأربع من المسجد الشريف ، وكلها قائمة على أقدمها بغاية الإحكام ، كأنها صفوف واقفة بالأدب ، حول صحن مسجد بيت اللّه الحرام ، من جهاته الأربع ، وهي أعلى من الارتفاع السابق وأرفع ، كأنها تنشد بلسان حالها مفتخرة على أمثالها بل تفوق على ما سواها وتطول : إن الذي سمك السماء بنى لنا * بيتا دعائمه أعز وأطول واستمر أمير العمارة الشريفة ، حضرة الأمير أحمد المشار إليه ، شكر اللّه سعيه وبارك له وعليه ، في غاية بذل الجد والاجتهاد ، مقرون الحركة بالتوفيق والسداد ، يتلطّف بالخدم والعمال ، ويتفضل عليهم بأنواع الأفضال ، ويوصلهم أجورهم كاملة لا يقتطع منها مقتطعا من أحد ، ولا يضر بحالة ، بل يزيدهم من عنده ويسامحهم بماله ، مع كمال الدقة في الأموال السلطانية ، والحرص على حفظها وعدم التبذير فيها ، وأما مال نفسه فيوسع به على الفقراء ، ويبذل لهم وللخدام والعمال ما أراد ، ويحسن إلى أهل البلاد ، مع التواضع وحسن الخلق ولين الكلام ، ومواساة الناس في جميع المهام ، والمشي في تشييع الجنائز معهم ، وعيادة مرضاهم وسلام القدوم واستجلاب رضاهم ، بحيث ترك عظمة الإمارة ، وصار من جملة فقراء الناس ، لكثرة تواضعه ، فأحبّه الناس وحمدوه ، وشكروا جميله وإحسانه ، وذكروا كثرة تجمله ولطفه ، ولقد جاءني إلى منزلي متفضلا مرارا ، وأنا من آحاد الفقهاء ، بل من أدنى الفقراء ، وما فعل ذلك إلا محبة في اللّه أحبه اللّه ، لا لأمر يناله مني ، فإنه أجل قدرا وأعظم خطرا من ذلك ، وما ذكرته إلا ليعلم حسن تواضعه وتخلّقه ، وتلبّسه بالأوصاف الجميلة وتحققه ، فلا جرم أن اللّه تعالى وفقه لهذه الخدمة السنية الفاخرة ، وأتمّ عمل هذا الخير العظيم على يده ، فيكفيه ذلك سعادة في الدنيا والآخرة ، فكم من وزير كبير نبيل ، بل ملك عظيم جليل ، يتمنى الوقوف في هذه الخدمة مع جلالته ، ويعدها من أكبر سعادة دنياه وآخرته ، وما قدّرها اللّه تعالى إلا لمن ظهرت العناية الأزليّة في حقه ، فاختاره اللّه تعالى لذلك من بين عباده واصطفاه من خلقه ، وهو هذا الأمير الكريم الصفات ، فاللّه تعالى يعينه على فعل الخيرات ، ويسدّده في أفعاله وأقواله ، ويوفقه للباقيات الصالحات ، فلما كمل جانبان من المسجد ، وهما الجانب الشرقي والجانب الشمالي ، وحصل خبر انتقال حضرة السلطان سليم إلى دار النعيم ، رحمه اللّه وطيّب ثراه وأحسن